المقريزي
109
رسائل المقريزي
والتخصيص أربعة طرق ، وهم في ذلك أربعة أصناف « 1 » : الصنف الأول عندهم أنفع العبادات وأفضلها : أشقها على النفوس وأصعبها ، قالوا : لأنه أبعد الأشياء من هواها وهو حقيقة التعبد ، والأجر على قدر المشقة ، ورووا حديثا ليس له أصل « أفضل الأعمال أحمزها « 2 » » « 3 » أي أصعبها وأشقها ، وهؤلاء هم أرباب المجاهدات والجور على النفوس ، قالوا : وإنما تستقيم النفوس بذلك إذ طبعها الكسل والمهادنة والإخلاد إلى الراحة ، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق . من قال : إن الزهد أفضل العبادات : الصنف الثاني قالوا : أفضل العبادات وأنفعها التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان وإطراح الاهتمام بها وعدم الاكتراث لما هو منها . ثم هؤلاء قسمان : فعوامهم ظنوا أن هذا غاية ، فشمروا إليه وعملوا عليه وقالوا : هو أفضل من درجة العلم والعبادة ورأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها . وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره ، وأن المقصود به عكوف القلب على الله والاستغراق في محبته والإنابة إليه والتوكل عليه والاشتغال بمرضاته ، فرأوا أفضل العبادات دوام ذكره بالقلب واللسان ، ثم هؤلاء قسمان : فالعارفون إذا جاء الأمر والنهى بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعهم ، والمنحرفون منهم يقولون : المقصود من القلب جميعه ، فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفتوا إليه ، ويقولون : يطالب بالأوراد من كان غافلا * فكيف بقلب كل أوقاته ورد ؟ ثم هؤلاء أيضا قسمان : منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته . ومنهم
--> ( 1 ) انظر هذا الفصل بطوله في مدارج السالكين ( 1 / 35 - 38 ) ، التفسير القيم ( ص 76 - 78 ) . ( 2 ) في الأصل : أحمرها ، والصواب : أحمزها ، قال في القاموس : أحمز الأعمال : أمتنها ، وإنه لحموز لما حمزة : ضابط لما ضمّه . ورجل محموز البنان : أي شديده ( ترتيب القاموس ( 1 / 707 ) . ( 3 ) ذكره العلامة ابن القيم في المدارج ، والتفسير القيم ( ص 76 ) وقال : لا أصل له . وذكره الغزالي بلفظ : « أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس » وقال فيه العراقي في تخريج الإحياء ( 4 / 61 ) : لا أصل له مرفوعا ، وإنما هو من قول عمر بن عبد العزيز . هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب « محاسبة النفوس » وانظر : شرح الإحياء ( 9 / 6 ) للزبيدى .